من الأسرة يولد الإبداع… وإليه يعود

في عام الأسرة، تتجدد الأسئلة حول البدايات الأولى للإنسان، وحول تلك المساحة الخفية التي تُصاغ فيها ملامح شخصيته قبل أن يخرج إلى العالم. فالإبداع، مهما بلغ من نضج واحتراف، لا يولد فجأة، ولا ينشأ في فراغ، بل يبدأ من مكان أكثر بساطة وعمقًا: الأسرة.

الأسرة هي الحاضنة الأولى للفكرة، وأول من يمنح الطفل شعور الأمان الذي يسمح له بالتجربة، والخطأ، والمحاولة من جديد. وفي البيت تُقال الكلمة الأولى، وتُرسم المحاولة الأولى، ويُسمع الصوت الأول دون خوف من التقييم أو الإقصاء. هناك، تتكوّن بذرة الإبداع في صمت، قبل أن تبحث عن الضوء.

ومع اتساع الدائرة من البيت إلى المجتمع، يظهر الدور الحيوي للمؤسسات الثقافية التي تتبنى هذه البذور وتمنحها المساحة للنمو. وتأتي جمعية الإمارات للإبداع بوصفها إحدى هذه الحاضنات المجتمعية التي تؤمن بأن الإبداع طاقة إنسانية تحتاج إلى احتواء، وتوجيه، وفرص حقيقية للتعبير. فهي لا تصنع المبدع من عدم، بل تلتقطه في لحظة صدقه الأولى، وتصاحبه في رحلته نحو النضج.

إن الربط بين عام الأسرة والإبداع ليس ربطًا مناسباتيًا، بل هو ربط جوهري؛ فالمجتمع الذي يستثمر في الأسرة، إنما يستثمر في وعي أفراده، وفي ثقافتهم، وفي قدرتهم على الإسهام الإيجابي. الأسرة الواعية لا تفرض على أبنائها قوالب جاهزة، بل تمنحهم الثقة، وتسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم، وهو ما يشكّل الأساس الحقيقي لأي إبداع أصيل.

وفي هذا السياق، يصبح الإبداع فعلًا جماعيًا قبل أن يكون إنجازًا فرديًا؛ تقف خلفه أم دعمت، وأب شجّع، وأسرة آمنت، ومؤسسة احتوت. هكذا تتكامل الأدوار، من البيت إلى الجمعية، ومن الفرد إلى الوطن.

وفي دولة الإمارات، حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية، تتجسد هذه الرؤية في الاهتمام بالأسرة، وبالثقافة، وبالمبدع. فحين نحتفي بالأسرة، نحن في الحقيقة نحتفي بالبدايات، وحين نحتضن الإبداع، فإننا نمنحه جذورًا راسخة تمتد في عمق المجتمع.

إن الإبداع الذي يبدأ من بيت متماسك، ويجد طريقه إلى مؤسسات واعية، هو إبداع قادر على البقاء، وعلى التعبير الصادق عن هوية وطن يؤمن بالإنسان أولًا.

الكاتبة شيخة الحمادي ،
دكتوراة فخرية في المسؤولية الاجتماعية