الطمأنينة مسؤولية وطن: كيف نحمي بعضنا نفسياً في أوقات القلق

تمرّ المجتمعات في مراحل تتطلب قدراً عالياً من الوعي والتكاتف، خاصة عندما تتسارع الأحداث وتزداد مصادر القلق في حياة الناس. وفي مثل هذه الأوقات، لا يكون الاحتياج الأكبر مادياً فحسب، بل نفسياً ومعنوياً أيضاً، حيث يبحث الإنسان عمّن يطمئنه ويخفف عنه وطأة التفكير والخوف.

إن الإحساس بالأمان لا يتكوّن صدفة، بل يُبنى من خلال سلوكيات مجتمعية واعية تعكس روح التضامن بين الناس. فحين يسود التوتر، يصبح الهدوء مسؤولية، وتغدو الكلمة الطيبة دعماً نفسياً حقيقياً، ويغدو الاحتواء الإنساني سداً منيعاً أمام القلق الجماعي.

ومن المهم إدراك أن القلق ينتقل بين الأفراد بسرعة، خصوصاً في ظل الانفتاح الإعلامي وكثرة تداول الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالمبالغة في نقل الأحداث، أو تداول المعلومات غير الدقيقة، قد تضاعف المخاوف وتخلق حالة من الهلع غير المبرر. ومن هنا تبرز أهمية التحلّي بالوعي، والاعتماد على المصادر الرسمية، وتجنّب نشر ما يثير القلق دون تحقق.

كما يتحمّل كل فرد دوراً إنسانياً في محيطه الاجتماعي، يبدأ من أسرته ويمتد إلى أصدقائه وزملائه. فالسؤال عن الآخرين، والاطمئنان عليهم، ومساندتهم بكلمات بسيطة، كلها تصرفات تعزز الترابط المجتمعي وتمنح شعوراً بالأمان. فالإنسان حين يشعر أنه محاط بالدعم، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الظروف بثبات وطمأنينة.

وتؤدي الأسرة دور الحصن النفسي الأول، إذ تُعدّ المصدر الأساسي لشعور الفرد بالأمان. فالأجواء الهادئة داخل المنزل، والحوار المتزن، وحرص الوالدين على احتواء الأبناء، تسهم في تقليل التوتر وترسيخ الشعور بالاستقرار. كما أن الأطفال يستمدون طمأنينتهم من تصرفات الكبار، مما يجعل من الوعي الأسري ضرورة لحماية الأجيال نفسياً في أوقات الأزمات.

ولا يقتصر تعزيز الطمأنينة على الأفراد والأسر، بل يمتد إلى المؤسسات المجتمعية التي يقع على عاتقها نشر الوعي وبث الرسائل الإيجابية. فالمبادرات التوعوية، والأنشطة المجتمعية، والخطاب الإعلامي المتزن، جميعها تسهم في تعزيز الثقة ورفع المعنويات وترسيخ الشعور بالاستقرار.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، يشكّل التلاحم بين القيادة والشعب نموذجاً فريداً في بناء الطمأنينة الوطنية. فحرص القيادة على التواصل المستمر مع المواطنين والمقيمين، واتباع نهج الشفافية، وسرعة التعامل مع المستجدات، يعكس اهتماماً حقيقياً بالإنسان وراحته النفسية قبل أي اعتبار آخر.

وقد رسّخ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان هذا النهج الإنساني من خلال تأكيده الدائم على أن الإنسان هو الركيزة الأساسية في مسيرة الوطن، وأن أمنه النفسي والاجتماعي أولوية وطنية. هذا الاهتمام ينعكس على المجتمع بأكمله، ويمنح أفراده شعوراً عميقاً بالثقة والاطمئنان، ويعزز الإحساس بأن الجميع يعيش في كنف وطنٍ يضع سلامة الإنسان في مقدمة أولوياته.

إن الطمأنينة الوطنية ليست شعوراً فردياً، بل حالة مجتمعية تنمو بالتكافل والتراحم والتواصل الإنساني الصادق. فكل موقف داعم، وكل كلمة مطمئنة، وكل تصرف مسؤول، يسهم في صناعة بيئة نفسية آمنة يشعر فيها الجميع بالاستقرار.

ختاماً، يبقى التكاتف المجتمعي صمام الأمان في أوقات القلق، وتبقى الروح الوطنية الواعية قادرة على تحويل المخاوف إلى قوة، والقلق إلى ثقة، والتحديات إلى فرص للتلاحم.

فلنكن جميعاً مصدراً للطمأنينة، ولنحافظ على روح المجتمع المتماسك الذي يميّز شعب الإمارات

الكاتبة شيخة الحمادي ،
دكتوراة فخرية في المسؤولية الاجتماعية