حين لا تنكسر الأرواح… تُعاد صياغتها عبدالله العيساي… حكاية إنسان انتصر على الألم

ليست كل الحوادث تنتهي عند صوت الاصطدام، فبعضها يبدأ منه عمرٌ جديد، مختلف الملامح، أشد عمقًا، وأكثر امتلاءً بالوعي والقوة. هناك أشخاصٌ حين تُكسر تفاصيلهم، ينطفئون… وهناك من يُعيدون تشكيل أرواحهم من جديد، وكأن الألم لم يكن نهاية، بل بابًا آخر للحياة. وعبدالله العيساي، واحدٌ من أولئك الذين لم تسمح لهم قسوة الطريق أن يتراجعوا خطوةً واحدة عن أحلامهم.

عبدالله العيساي، خريج كلية زايد العسكرية، وخريج جامعة أبوظبي، لم يكن يومًا شخصًا عابرًا في الحياة. فمنذ سنواته الأولى، كان يحمل داخله روح التحدي والانضباط، وكان شغفه بالرياضة يكبر معه يومًا بعد يوم. دخل البطولات في بداياته كتجربة فقط، لكن بعض التجارب تُولد لتغيّر الإنسان بالكامل، وهذا ما حدث معه تمامًا. فمنذ عام 2017، تحولت الرياضة من مجرد اهتمام إلى مسار احترافي صنع من خلاله اسمه، وحقق عدة ميداليات، وشارك في بطولات محلية وأخرى دولية، حاصدًا مراكز فضية وبرونزية أثبتت أن الطموح الحقيقي لا يعرف حدودًا.

لكن الحياة، مهما منحت الإنسان من نجاح، تظل قادرة على اختباره في أكثر اللحظات هدوءًا.

في شهر رمضان الفضيل، وقع الحادث الذي غيّر الكثير من ملامح حياته. حادثٌ لم يكن عابرًا، بل كان كافيًا ليجعل الإنسان يفقد توازنه بالكامل. وبرغم شدة ما حدث، استطاع عبدالله أن يبقى واعيًا للحظات، لحظاتٍ أدرك فيها أن قدمه اليسرى لم تعد في مكانها من شدة قوة الاصطدام. قد تبدو الفكرة قاسية على السمع، لكن الأقسى منها أن يعيشها الإنسان بنفسه.

ومع ذلك، لم يستسلم.

بمعية الله، استطاع أن يخرج من الحادث، وأن يسعف نفسه بنفسه، مستندًا إلى دورة الإسعافات الأولية التي كان قد تلقاها مسبقًا، وكأن الحياة كانت تهيئه، دون أن يعلم، لتلك اللحظة الفاصلة.

امتدت رحلة العلاج طويلًا، وكانت الأيام ثقيلة بما يكفي لتغيّر الإنسان من الداخل. إلا أن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرته، صوت تكبيرات صلاة العيد. هناك، وسط تلك التكبيرات، بدأ يستوعب حجم التحول الذي طرأ على حياته. لم يكن الألم جسديًا فقط، بل كان شعورًا داخليًا عميقًا بأن شيئًا ما قد تبدّل إلى الأبد.

لم يعد قادرًا على الجري كما كان، لكن أحلامه لم تتوقف يومًا عن الركض داخله.

وهنا تظهر حقيقة الإنسان؛ فالبعض حين يفقد طريقًا، يظن أن العالم انتهى، أما عبدالله، فقد اختار أن يصنع طريقًا آخر. اتجه إلى التزلج على الجليد، تلك الرياضة التي تحتاج إلى توازن داخلي قبل أي شيء، وكأنّه كان يعيد بناء نفسه فوق الجليد خطوةً خطوة. لم تكن التجربة سهلة، لكنها كانت ولادة جديدة لروحٍ رفضت الانكسار، حتى استطاع أن يحقق ميدالية فضية جديدة، ليؤكد أن الإرادة أقوى من أي خسارة قد يمر بها الإنسان.

ويقول عبدالله إنّ أكثر ما يثير استغراب من حوله هو تلك القوة التي يظهر بها دائمًا، لكنه يرى أن عليه أن يبقى قويًا ومتمسكًا مهما حدث. بل إنه يشعر أنه أكثر شخص استطاع أن يُقنع من حوله بأنه بخير، وكأنّه أراد أن يخفف عن الآخرين ألم ما مرّ به، قبل أن يخفف عن نفسه.

وحين يتحدث عن شعوره اليوم، لا يتحدث بلغة الخسارة أبدًا، بل يصف ما يعيشه بأنه “تجربة جديدة، وتحدٍ جديد، وشعور مختلف”. وهذا وحده كفيل بأن يختصر معنى الصمود الحقيقي؛ أن يرى الإنسان في الألم فرصةً أخرى للحياة، لا عبئًا يطارده.

وفي دولةٍ كالإمارات العربية المتحدة، لم تعد قصص هؤلاء الأبطال تُروى بوصفها قصصًا عن المعاناة فقط، بل أصبحت حكاياتٍ عن القوة والتمكين وصناعة الأمل. فقد أولت دولة الإمارات اهتمامًا كبيرًا بكل من واجه تحديًا في حياته، وحرصت على دعمه نفسيًا واجتماعيًا ورياضيًا، ووفّرت له البيئة التي تمنحه القدرة على الاستمرار وتحقيق أحلامه بثقة وكرامة. وهذا الدعم الحقيقي هو ما يجعل نماذج ملهمة، مثل عبدالله العيساي، قادرة على تحويل الألم إلى إنجاز، والتحديات إلى نجاحات ترفع اسم وطن عاليًا

إن عبدالله لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل صورة الإنسان الذي لا يهزم بسهولة، الإنسان الذي قد يفقد جزءًا من جسده، لكنه لا يسمح أبدًا أن يفقد إيمانه بنفسه.

وهكذا تبقى بعض القصص عصيّة على النسيان، لأنها لا تُلامس العين فقط… بل تصل إلى القلب.

شيخة الحمادي- بكالوريوس علم الاجتماع- دكتوراة فخرية في المسؤولية الاجتماعية